الباحث الدكتور جعفر آل توفيق

الأستاذ : حسن الخاطر

بين يديك أخي القارئ تجربة أحد الأطباء البارزين في المملكة العربية السعودية، وسنرى من خلال هذه التجربة ذلك الطموح الإنساني الذي يبعث في النفس الجمال الذي لا يشعر به إلا هؤلاء الذين أخذوا العهد على أنفسهم أن يحققوا هدفهم في هذه الحياة.

حبذا لو تكلمت لنا قليلًا عن نفسك؟

جعفر آل توفيق: جعفر علي آل توفيق، من مواليد بلدة القديح بمحافظة القطيف عام 1385هـ ، وقد تعلمت شغف العلم والبحث العلمي من والدي الخطيب الملا علي (رحمه الله) حيث إنه كان من الخطباء المبرزين بالإضافة إلى كونه من رواد التعليم قبل وجود المدارس الحكومية.

درست المرحلتين الابتدائية والمتوسطة في القديح، وبعد ذلك أكملت المرحلة الثانوية بثانوية القطيف عام 1404هـ، ومن الأوائل على مستوى المنطقة الشرقية، التحقت بعد التخرج بكلية الطب والعلوم الطبية بجامعة الملك فيصل بالدمام فأكملت مرحلة البكالوريوس مع مرتبة الشرف وحظيت بجائزة الأمير محمد بن فهد للتفوق العلمي.

بعد ذلك أكملت سنة الامتياز في مستشفى أرامكو السعودية بالظهران متنقلًا في عدة أقسام: الباطنية، الجراحة، الأطفال، وقسم النساء والولادة.

ونظرًا لحبي الشديد في إكمال الدراسة فقد أنهيت الامتحانات المؤهلة للالتحاق بالجامعات الأمريكية والكندية. وقد اجتزت هذه الامتحانات أثناء الدراسة وعادة يتم التحضير لها لمدة تقارب السنة بعد إكمال الدراسة الجامعية، وبالتالي أعطاني هذا النجاح تخطي فترة الإعداد للامتحانات وفتح أبواب أخرى من الناحية المعرفية.

بعد ذلك التحقت بجامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية وأكملت تخصص الطب الباطن، ومن ثم الزمالة الأمريكية في علم الأمراض المعدية والسارية والحميات.

بالإضافة إلى شهادة طب المناطق الاستوائية والصحة العامة، وكذلك زميل الكلية الأمريكية لأمراض الصدر.

لماذا اخترت الطب؟

جعفر آل توفيق: جاء في كتاب البحار، هذا الحديث المروي عن الرسول : "العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان"، لقد تولدت رغبتي في دراسة الطب عندما كنت في المرحلة الثانوية، وقد اخترت هذه المهنة على صعوبتها وتعبها؛ لأني وجدت فيها خدمة إنسانية أقدم فيها العناية والاهتمام  بالإنسان بما هو إنسان "أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

ما الذي كنت شَغِفًا به في صغرك؟

جعفر آل توفيق: كنت شغفًا بقراءة كتب التاريخ والأدب والشعر، وأنا أحفظ الكثير من القصائد الشعرية، والأمر اللافت لنظر زملائي في المرحلة الثانوية أنهم كانوا يدهشون من ضلاعتي في اللغة العربية والنحو بشكل خاص، مع أن دراستي كانت مرتكزة على دراسة العلوم الطبيعية، ولعل هذا من المفارقات.

وماذا عن بحوثك في مجال الطب؟

جعفر آل توفيق: بحمد الله نشرت بحوثًا كثيرة في مجلات عالمية، ومن أهم هذه البحوث عندما كنت في السنة الأخيرة بجامعة أنديانا، بحثًا بعنوان (البكتيريا ناقصة مستقبلات الهيموغلوبين، وهي بكتيريا غير فاعلة في النموذج التجريبي لحالات العدوى البشري)، وقد حاز هذا البحث على المركز الأول في البحوث الطبية على مستوى جميع الأطباء الموجودين في الجامعة، ونشر في مجلة علم الأمراض المعدية، ويهدف هذا البحث إلى تعرف جين مهم في البكتريا، وبالتالي إلى إيجاد لقاحات علاجية.

كما نشرت الكثير من الأبحاث في مجلات عالمية مختلفة، ونتيجة هذه الأبحاث حصلت على جوائز عديدة من شركة أرامكو السعودية.

إضافة لذلك، في عام 2010م، ضمن فعاليات جائزة كليات الغد الدولية للعلوم الصحية، لرواد الإبداع الطبي، تم اختياري من ضمن أفضل عشرة أطباء على مستوى المملكة في نطاق الأبحاث.

وهذه الأبحاث التي تربو على 70 بحثًا علميًا منشورة في العديد من المجلات الطبية المحلية والإقليمية والعالمية، وإحدى نتائج هذه البحوث أني أعمل مستشارًا لمنظمة الصحة العالمية.

الجامعات التي تنصح بها، لمن يرغب بدراسة الطب؟

جعفر آل توفيق: يجب على الطالب أن يختار الجامعة بدقة، فليس كل جامعة في الخارج هي جامعة ممتازة كما يعتقد البعض، فالجامعات تتفاوت في مستواها.

إن ما يميز الدراسة في الخارج هو الحصول على خبرات متعددة واتساع في النظرة المعرفية، بالإضافة إلى وجود خيارات كثيرة بعد التخرج. من جهة أخرى، فإن الدراسة داخل البلد يعطي الطبيب فرصة تعرف الأمراض المنتشرة في البلد.

ماذا عن مستقبل الطب في الوطن العربي؟

جعفر آل توفيق: نرجو في المستقبل القريب أن يتطور الطب في الوطن العربي حتى ينافس أعلى الجامعات العالمية، وهناك كفاءات لا نقلل من شأنها، درست في الخارج في أرقى الجامعات ورجعت للبلد، ولا غرابة إذا قلنا: إن بعض هذه الكفاءات استطاعت علاج بعض الحالات التي لم تستفد من ذهابها إلى الخارج، فهناك مفهوم خاطئ أن العلاج في الخارج أفضل دائمًا من العلاج داخل المملكة، وهذا المفهوم ليس صحيحًا دائمًا.

المستشفيات الأهلية يغلب عليها النظرة التجارية بدلًا من أن يكون هدفها تقديم خدمة إنسانية؟

جعفر آل توفيق: الطب هو خدمة إنسانية، فينبغي لجميع العاملين في هذا القطاع أن يجعلوا هدفهم الأسمى خدمة الإنسانية وإزالة معاناة المرضى.

لماذا المستشفيات الأهلية تقدم خدمات أفضل من المستشفيات الحكومية؟

جعفر آل توفيق: الأخطاء الشائعة أن من يدفع مبلغًا يحصل على خدمة أفضل، والحال أن الخدمة الطبية تعتمد على كفاءة العاملين في هذا المنشأ الصحي أو ذاك.

ماذا تمثل الصحة بالنسبة للإنسان؟

جعفر آل توفيق: روي عن الإمام علي : "نعمتان مجهولتان: الصحة والأمان"، فإذا فقد الإنسان نعمة الصحة فإنه لا يستمتع بأي شيءٍ من ملذات الدنيا، فالصحة هي أغلى ما يملكه الإنسان، وهي التي تعطي قيمة لجميع ملذات الحياة، يقول بشار بن برد في هذا العنوان:

إنِّي وإن كان جمع المال يعجبني     فليس يعدل عندي صحَّة الجسد

في المال زينٌ وفي الأولاد مكرمةٌ     والسُّقم ينسيك ذكر المـال والولد

سأنتقل معك إلى مسألة حول هؤلاء المرضى الفقراء الذين لا يستطيعون أن يحصلوا على علاجهم-كزراعة كُليَة مثلًا- كيف نساعدهم؟

جعفر آل توفيق: على جميع أفراد المجتمع، من رجال الأعمال، أهل الخير، الجمعيات الخيرية، وكل من يستطيع أن يسهم في علاج المرضى، أن  يقف معهم والمساعدة على نقلهم من منطقة المرض إلى الصحة، فالمريض هو جزء من المجتمع، روي عن الرسول الأعظم : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

تعليقك على هرم ماسلو للحاجات؟

جعفر آل توفيق: تدرّج الحاجات هي نظرية فلسفية قال بها أبراهام ماسلو، وعندما نتأمل في هرم ماسلو للحاجات نجده هرمًا منطقيًا وواقعيًا يسعى من خلاله الإنسان إلى تحقيق الذات، فالإنسان إذا أحسّ بالحاجة لأشياء معينة فإنه يسعى لتحقيق هذه الاحتياجات. تتدرج الاحتياجات من الحاجات الأساسية لبقاء الفرد من إشباع الرغبات والحاجات الفسيولوجية، ثم الأمن، ثم الاجتماعيات، ثم التقدير قبل أن يصل إلى تحقيق الذات. 

وهذا الهرم منطقي، ولكن هناك بعض الأشخاص من قد يتجاوز بعض هذه الأمور كالتقدير من الآخرين إلى تقدير الذات.

عوامل النجاح كما يراها الدكتور جعفر آل توفيق؟

جعفر آل توفيق: هناك عوامل كثيرة للوصول إلى النجاح، ومن أهم هذه العوامل: السعي، والتضحية سواء بالوقت أو المال أو الأمور الاجتماعية، الطموح والمثابرة، ويجب أن يكون الطموح مستمرًا ولا يتوقف عند حدٍّ معيّن، كما على الإنسان الناجح أن يتجاوز العقبات التي تعترض طريقه ولا يجعلها سببًا في عدم الوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه، فهذا أديسون أجرى ألف تجربة فاشلة قبل الحصول على مصباح حقيقي، وقال كلمته: (أجريت ألف تجربة فاشلة قبل الحصول على مصباح حقيقي)، فالإنسان الذي يتعلم من تجاربه بلا شك إنسان ناجح، فالتجربة التي تقربك من الهدف ليست تجربة فاشلة وليست مضيعة للوقت، والواقع بالضبط أن أديسون لم يفشل بل نجح، ويتجلى هذا النجاح بأنه عرف 999 طريقة لا تؤدي إلى الهدف المنشود!-، فالإنسان الذي يتعلم من تجاربه بلا شك إنسان ناجح.

الإنسان يجب عليه أن يطور في تجاربه وأن يفيد منها، وإذا حصل على نتائج مخيبة للآمال فعليه أن يبحث عن الخطأ في تجربته، فالمنطق يخبرنا أننا عندما نفعل نفس الشيء فلن نحصل على نتائج مغايرة، وقد قال أينشتاين: (الجنون: أن نفعل الشيء نفسه مرة بعد أخرى ونتوقع نتائج مختلفة).

هل تشعر أنك حققت هدفًا في هذه الحياة؟

جعفر آل توفيق: بكل ثقة ومن دون تردد حققت هدفًا ونجاحًا في حياتي، وهناك لا شك أهداف أخرى أسعى لتحقيقها، إذ ليس علينا أن نقف عند حدٍّ معيّن في العلم: فالعلم لا يقف.

وإذا كانت النفوسُ كبارًا     تعبت في مرادها الأجسامُ

 

هل تشعر بسعادة تجاه ما تقوم به، ولو رجع بك الزمن إلى الوراء فهل ستختار نفس الدور الذي أنت فيه؟

جعفر آل توفيق: سأختار نفس الدور وسأكون طبيبًا، وأنا أشعر بسعادة كبيرة كطبيب يخدم بني جنسه ويقدم العلاج والأمل، ولا أمانع من تقديم نصائح طبية من خلال الهاتف. إضافة إلى عملي كمقيِّم للمقالات الطبية والأبحاث قبل نشرها في الكثير من المجلات الطبية حول العالم، كما أعمل في اللجنة العالمية لتقييم المستشفيات حول العالم، وأنا أشعر بسعادة كبيرة تجاه ما أقوم به. كما أني أتجه في تحقيق المزيد من الأبحاث في مجالات الأمراض المعدية ومقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية وكذلك أمراض الحج.

كلمة أخيرة في نهاية اللقاء؟

جعفر آل توفيق: لا شك أن الإنسان يصاب بإحباط في فترات معينة في حياته، ولا بد من وجود عقبات تعرقل الوصول إلى هدفه، والواجب على الإنسان أن يقفز فوق هذه العقبات ويتحرَّر منها بالانطلاق إلى الأمام، ولو فتشت في جميع قصص الناجحين لرأيت أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه، إلا بعد أن تجاوزوا العقبات والمعوقات، ولو أنهم استسلموا لما وصلوا إلى أهدافهم، فالنجاح ليس سهلًا كما يتصور البعض بل يحتاج إلى كدح وتعب، وأنا شاكر ومقدّر لكم هذا اللقاء.