الباحث التاريخي عبد الخالق الجنبي

الأستاذ حسن الخاطر

لاعتقادي بأنه من الأفضل التنوع في هذا الكتاب، قمت باختيار أحد كتّاب التاريخ وهو من ألمع علماء التاريخ في القطيف، فعندما نلقي نظرة على أبحاثه وتحقيقاته وكتبه نلحظ هذا الشيء بوضوح.

وتأييدًا للقيمة المهمة التي تحتلها كتبه عند القرّاء، نرى أن الكثير متعطش لاقتناء كتبه وقراءتها، وفي الواقع فأن الأستاذ الجنبي غني عن التعريف، ومن يجلس معه يصدم لتلك الموسوعة التاريخية التي يحويها.

وما زلت أذكر قبل سنتين، عندما زرته مع الصديق المهندس حسن الجشي، في منزله بالمحدود لإهدائه نسخة من كتابي الرسول ، جلسنا ساعة من الزمن نفيد من غزارة معلوماته التاريخية، وفي الحقيقة فإني دهشت عندما جلست معه لكثرة معلوماته التي لم أحتملها، وأظن أن صديقي كان كذلك.

بشكل موجز، نبذة بسيطة عن حياتك؟

عبد الخالق الجنبي: ولدت في القديح عام 1384هـ، درست المرحلة الابتدائية ثم المتوسطة وبعد ذلك الثانوية، وبعد تخرجي من الثانوية درست في جامعة الملك عبد العزيز بجدة مدة سنتين وخرجت منها لأسباب خاصة.

تعرضت لحادث سقوط في عام 1390هـ، وكان عمري آنذاك ستّ سنوات، ونتيجة هذا الحادث بترت ساقي اليسرى، وأصبت بإعاقة وعمري ستّ سنوات.

التحقت بوظيفة حكومية عام 1415هـ، بمسمى (مدخل بيانات)، وتم ترسيمي عام 1417هـ، وأنا أعمل حاليًّا بمستشفى القطيف المركزي.

ذكرتني بعلامة الفيزياء ستيفن هوكنج، قد أصيب بمرض العصب الحركي في فترة شبابه، ورغم ذلك فهو ألمع فيزيائي نظري في هذا القرن! ويذكر في قصة حياته أنه في أثناء وجوده في المستشفى شاهد صبيًّا بالقرب منه يموت بسرطان الدم، فكلما أصيب بالإحباط والأسى تذكر ذلك الصبي فكان نوعًا من العلاج له! وهذا بلا شك علاج جيد لمرض الإحباط، وقديمًا قالوا: (والجرحُ يُسكنهُ الذي هو آلمُ)، إنني أقول: لا شك أن الإعاقة تجعل الإنسان يصاب بيأس وإحباط شديدين وخيبة أمل؛ لأنه يرى أنه لن يستطيع أن يحقق شيئًا في هذه الحياة، كيف استطعت أن تمنع نفسك من الإصابة بهذا المرض الخطير وهو مرض اليأس والإحباط وخيبة الأمل؟

عبد الخالق الجنبي: أفضل علاج بالنسبة للإعاقة هو التعايش معها، فالحزن والهم والضجر لا تغير من الواقع شيئًا، ونتيجة إيماني بواقعية الحياة فأنا لست من أولئك الذين ينتظرون القفزات الدينية ويطلبون المعاجز والكرامات ويلجاؤون إلى عالم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)؛ لأنني واقعي أنظر للحياة بواقعية.

الذين يعيشون في عالم الأحلام وينتظرون قوة خارقة تعالج مشاكلهم وأمراضهم وإعاقتهم، من خلال اللجوء إلى عالم ما وراء الطبيعة وقد شاهدنا الكثير على القنوات الفضائية يتصرفون بلا عقلانية، كيف تنظر لهم؟

عبد الخالق الجنبي: هذا الشيء عشته صغيرًا، وكانت جدتي -رحمها الله- تطلب مني التوسل كثيرًا لأجل ذلك بحسن نية، ولكن بعد أن توسعت مداركي اتخذت قرارًا بمقاومة إغراء الأحلام والأماني وأنه من الأفضل التعايش مع ما يصيب الإنسان من أمراض وإعاقات، إذا لم يستطع أن يغيرها بالأمور المادية لأن الناس غير الواقعيين هم الذين يلجاؤون إلى الخوراق أما العقلاء فيتعاملون مع الحياة بواقعية، فالإنسان من الأفضل له أن يعيش بالعقل؛ لأن اللجوء إلى مثل هذه الأمور مضيعة للوقت دون فائدة مرجوة منها، ولا يفهم من كلامي أنني أنكر الكرامات، لكن يجب عليّ أن أقول: إن الإنسان يجب عليه أن يعيش هذه الحياة بواقعية ويعوّد نفسه على ذلك، والواقعية يجب أن ننظر لها باحترام.

اشتهر الأستاذ الجنبي بولعه بالتاريخ، فمتى كان ذلك؟ ولماذا التاريخ دون غيره؟

عبد الخالق الجنبي: شغفت بالتاريخ منذ الصغر، حيث كانت جدتي لأبي الحاجة رضية بنت سلمان الجنبي-رحمها الله- تحكي لي قصصًا تاريخية وبالخصوص عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فتعلقت بشخصية الأمير وكنت أطلب منها أن تروي لي الكثير عن قصص شجاعته، وأحيانًا كانت تضمن تلك القصص بعض الأبيات الشعرية الجميلة والملحَّنة، فبدأت تزرع وتسقي بذرة حبّ التاريخ عندي وعمري آنذاك تسع سنوات، كما إنّ اهتماماتي لا تتعلق بالتاريخ وحده، فإلى جانب ذلك يوجد عندي اهتمامات بالأدب، فالأدب والتاريخ – من وجهة نظري – وجهان لعملة واحدة، فالأدب هو الذي خلّد التاريخ، والتاريخ هو الذي غذى الأدب.

مؤلفات الأستاذ الجنبي حول التاريخ، نتيجة منطقية لشغفه به، فما هي هذه المؤلفات؟

عبد الخالق الجنبي: أول ما كتبته رسالة صغيرة عن الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي في عام 1403هـ، ونشرت هذه الرسالة في مجلة رسالة المسجد، ونالت استحسان الكثير وفي الوقت نفسه نالت سخط الكثيرين، وهذا السخط نتيجة أنني في كتاباتي أبتعد عن الجوانب العاطفية، وأعتمد على الموضوعية ونشر الحقائق كما هي، فأنا أكتب التاريخ لأجل الحقيقة، وليس لإرضاء أحد.

في عام 1405هـ، أخرجت بحثًا مختصرًا في نفس المجلة حول القبر المزعوم للنبي اليسع وهذه الرسالة بعنوان (قبر الآجام لمن)، وفيه أثبت أن القبر الموجود في الآجام ليس بقبر النبي اليسع، وقد تطور هذا البحث إلى كتاب يحمل العنوان نفسه.

ولكن كان أول عمل حقيقي لي هو العمل المشترك مع الأخوين الأستاذ عبد الغني عرفات والأستاذ علي البيك، وهو تحقيق (شرح ديوان ابن المقرب)، وهذا الديوان في اعتقادي هو الأهم حول تاريخ المنطقة، وقد خرج الديوان في طبعته الأولى في عام 2002م، ويقع في ثلاثة مجلدات، وأنا أعمل حاليًا على إخراجه في الطبعة الثانية في سبعة مجلدات ضخمة سوف ترى النور قريبًا بإذن الله.

وفي العام 2004م، كتبت كتابًا بعنوان (هجر وقصباتها الثلاث)، وهذا الكتاب يروي قصة اكتشاف الموقع الحالي الذي تقوم عليه مدينة هجر، ومدينة هجر مدينة عظيمة كان لها صدى كبير عند العرب في الشعر والأمثال، حتى إنه يوجد أربعة أمثال حول مدينة هجر هي: (كجالب التمرِ إلى هَجَر)، (هجر ونصف القوت)، (لا نار إن لم تورِ ناراً بهجر)، و(اصطي مجر ترطب هجر)، إضافة إلى كثرة ذكر الشعراء لها، ومن ذلك قول الفرزدق:

قد كان في هجر ونخل محلم     تمر للملتمس الطعام فقيرِ

وهذا يدل بكل تأكيد على أهمية هذه المدينة.

وبعد سنة من كتابي (هجر وقصباتها الثلاث)، تناولت الرد على شبهات طبعة (ديوان ابن المقرب العيوني وشرحه)، الصادر عن مؤسسة البابطين بالكويت، وقد أسميته (جنايات مؤسسة البابطين على ديوان ابن المقرب)، تعرضت فيه بشكل أساس إلى ما فعلته مؤسسة جائزة البابطين من عمل غير أخلاقي معنا، حيث اتصلوا بنا لمعرفة ما يوجد عندنا من مخطوطات لديوان ابن المقرب، ووعدونا بجلب مخطوطات لم نتمكن من الحصول عليها بعد أن أخذوا منا عناوين وجودها في مكتبات العالم، وكنا نظن أن ذلك من باب خدمة العلم والباحثين، واتضح فيما بعد أنها مكيدة ومراوغة وهذا هو ما آلمني كثيرًا، فقد قاموا بتحصيل مخطوطة المكتبة الرضوية بمشهد والتي اتخذناها أصلاً لتحقيقنا، وأعطوها لكاتب من الأردن، وهو الدكتور أحمد الخطيب لتحقيقها، وكونهم مؤسسة ضخمة لديها القدرات المالية في حين إننا كنا مجرد ثلاثة أفراد نعمل بصفتنا الشخصية، ونموّل أنفسنا بأنفسنا، فقد استطاعوا أن يسبقونا إلى إخراج الديوان قبل خروج طبعتنا له، ومع أنني متأكد أن الدكتور أحمد الخطيب من الاستحالة عليه أن يكون قد حقق الديوان بمفرده نظرًا لقصر الفترة التي خرج فيها؛ بل إنني أعلم أنّ المؤسسة قد وضعت تحت يديه كادرًا من موظفي المؤسسة لمساعدته، ومع ذلك فقد جاء عمله كارثة عظيمة على ديوان ابن المقرَّب، ولو أن الدكتور أحمد الخطيب أخرج الديوان كما ينبغي ما قلت فيه شيئًا ولرحبت بعمله، لكنه أساء إلى الديوان أكثر مما أحسن إليه، للأخطاء الكثيرة التي وقع فيها، وقد أحصيت عليه أخطاءً كثيرة تجاوزت المائة، وبعضها خطيرة جدًّا كإضافة أبيات كثيرة ليست له إلى الديوان، وحذف أبيات كثيرة أيضًا له، وكل ذلك أوضحته في هذا الكتاب.

بعد ذلك انشغلت بتأليف كتابي (جرة مدينة التجارة العالمية القديمة) حتى أخرجته، وقد طبع الكتاب عام 2009م، ويتحدث الكتاب بصفة عامة عن تاريخ المنطقة بحواضرها القطيف والأحساء والبحرين، ولكنه يخصّ مدينة أطلق عليها الكتاب الإغريق والرومان اسم (جرّه) أو (Gerra) تحدثوا عنها باهتمام كبير جدًّا، وقد أثبت في هذا الكتاب أنّ هذه المدينة هي ذاتها (هجر) مستخدمًا في ذلك أسلوبًا علميًّا موضوعيًّا.

أما كتابي (قبر الآجام)، فهو كما سبق وقلت عبارة عن تطوير لبحث لي قديم عن (قبر الآجام) المدّعى للنبي اليسع عليه السلام، وأخرجته في كتاب مستقل أثبت فيه أن هذا القبر الموجود في الأوجام ليس بقبر النبي اليسع ، وأنه إذا كان قبر نبي كما هو شائع، فهو لا بد أنْ يكون قبر نبي ذكر التاريخ أنه كان في القطيف، وهو رئاب بن البراء الشني من بني شن بن أفصى بن عبد القيس الذي كانت قبيلته عبد القيس تعتقد فيه أنه نبي كما ذكر الكلبي وابن دريد، وأرجّح أن الرسول محمد التقى برئاب في القطيف أثناء تجارته لخديجة عليها السلام في سوق الزارة الشهير، وهناك رواية ذكرها شارح الديوان المقرَّبي وابن عبد البرّ في العقد الفريد، ودونتها في كتابي هذا، عن مجيء وفد عبد القيس إلى النبي ليُسْلِمُوا على يديه، وتقول الرواية إنه سألهم عن رئاب، فأخبروه أنه توفي، وكانت ابنته معهم، فقالوا: هذه ابنته معنا، فقال الرسول : "هذه بنت نبي ضيعه قومه"، فإذا كان هذا القبر الموجود في الآجام هو بالفعل قبر نبي، فالمنطق يجبرنا أن نرجح كونه قبر رئاب بن البراء الشني لا النبي اليسع الذي لا توجد ولا رواية أو شبه رواية تقول إنه قد جاء إلى المنطقة مع العلم إنني قد ناقشت في كتابي سبب تسمية القبر بقبر النبي اليسع بأسلوب علمي بعيد عن التعصب.

أما آخر بحث طبع لي فكان في عام 2010م، وهو بعنوان (فحص علمي وتاريخي للبحث الموسوم بدراسة وبحث تاريخي اجتماعي حول نسب أسرة آل مبارك الصائغ)، والمطبوع ضمن كتاب (أسرة ونسب) الذي أخرجه بعض أسرة آل النمر بالدمام ردًّا على ادعاء البعض الآخر من الأسرة أنهم ينتسبون إلى الإمام علي عليه السلام، وقد ذكرت في بحثي هذا عدم صحة انتساب عائلة النمر إلى الرسول محمد .

ويوجد لي العديد من الكتب التي هي الآن في المطبعة، وسترى النور قريبًا – إن شاء الله – منها:

1. الديوان المصور لشعر ابن المقرب.

2. جواثا تاريخ الصمود.

ا3. القطيف وأسرها وقراها وقبائلها وشئونها في دفاتر الطابو العثمانية (قانون نامه لواء القطيف).

 في كتابكم (قبر الآجام) تنفي كون القبر المزعوم في الآجام للنبي اليسع ، فما هي الأدلة التي اعتمدها الأستاذ الجنبي في هذا النفي؟

عبد الخالق الجنبي: الدليل الأقوى وليس الأوحد هو أنه لا يوجد دليل علمي واحد على أنه قبر النبي اليسع ، وأما ما يتناقله الناس، فالناس يتناقلون الحق والباطل، إضافة لذلك فإنّ المعروف تاريخيًّا أن النبي اليسع مدفون في الشام، وهو من الأنبياء الذين بعثوا في تلك المنطقة، والقول بمجيئه إلى القطيف، فضلاً عن موته في واحة الآجام يراد له دليلٌ صحيح، وهو ما لا يوجد.

أما فيما يتعلق بما ذكره الشيخ فرج العمران-رحمه الله- في كتابه الأزهار، فهو قال إنّ أهالي الآجام يذكرون ذلك عن آبائهم، ولم يذكر دليلهم على ذلك.

وأما بالنسبة لزيارة القطيفيين وغيرهم من سكان المنطقة له، فهو ليس بدليل لأنّ الناس في المنطقة لديهم ارتباط روحي عميق تجاه كل ما يمثل رمزًا لهذا الارتباط الروحي، ولا يعنيهم البحث عن صحة وجود هذا الرمز في بلدانهم من عدمه، ولهذا نراهم يهتمون في سبيل ذلك حتى لأمور ما أنزل الله بها من سلطان مثل ما يُعرف بـ(خطوة المهدي) أو (شجرة الدم)، ونحن نرى في بلدنا القطيف وكذلك في جزيرة أوال وواحة الأحساء، أن الناس يبيعون الغالي والنفيس من أجل زيارة العراق وإيران ورؤية المشاهد المقدسة، فلا شك أن وجود شيء كهذا في منطقتهم سيكون له وقعٌ كبير لديهم خصوصًا وأنهم قد يرون أنّ ذلك يعمل على ربط الناس ببعضهم البعض ويجعل لديهم مقدس روحي يلتفون حوله، والشيخ فرج العمران-رحمه الله- كان نافذَ البصيرة عالمــًا بهذا الجانب، وتخميني الشخصي أن الدافع الذي جعل الشيخ -رحمه الله- يشهر القبر ويحث على زيارته، هو ما يمثله هذا القبر من رابطة اجتماعية وقوة روحية يلتف حولها الأهالي وتبعث في نفوسهم الراحة والطمأنينة، وما المانع أن يأتي الناس لزيارة القبر ويجلسون هناك ويدعون إذا كان ذلك يجلب لهم الراحة والطمأنينة؟!؛ بل إنه لا يوجد لدي أي مانع فيما لو اعتقد الناس في هذا القبر أنه للنبي اليسع فيما بينهم، أما إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر تاريخية، فالتاريخ له رأيٌ آخر يجب الإصغاء إليه.  

حسنًا، إذا علمنا أن هذا القبر ليس بقبر النبي اليسع ، فهل من الصواب والنزاهة والأمانة أن يمارس الإنسان بعض الأعمال الخاطئة إذا كان يشعر أنها تجلب له الراحة والطمأنينة؟

عبد الخالق الجنبي: بالطبع ليس من الصواب والنزاهة والأمانة أن يمارس الإنسان بعض الأعمال الخاطئة، ولكن إذا كان هذا الإنسانُ مُصرًّا على فعل هذا النوع من الأعمال الخاطئة بقصد أنها تجلب له الراحة والطمأنينة كما قلت، فلا يوجد لدي مشكلة في ذلك، فأنا باحثٌ في التاريخ، ولستُ مصلحًا اجتماعيًا؛ أقول رأيي بكل حرية، ولا أجبر الناس أن يعتقدوا ما أعتقده ولا أن يغيروا معتقداتهم.

شيء يدعو إلى التساؤل حقًّا، لماذا اعتقد الناس في هذا القبر أنه قبر النبي اليسع ، وليس بنبي آخر، كسليمان أو أيوب أو إسحاق عليهم السلام؟

عبد الخالق الجنبي: أنا مقتنع تمامًا أن هذا القبر ليس بقبر النبي اليسع ، وهذا التساؤل من المؤكد أنه سيثار، وأقول حول ذلك: كما أن اليسع اسم لنبي، إلا أن معانيه كثيرة ومن ضمنها: السعة والواسع العلم، الحجة الأعظم، المرجع الأعظم، ومن خلال تتبعي وجدت أنه كان يوجد في المسيحية النصرانية النسطورية التي انتشرت في العراق وإيران وبلدان الخليج أكثر من راهب كبير كان يُدعى اليسع الجاثليق، بمعنى المرجع الواسع العلم أو العظيم، وكان من ضمنهم أسقفٌ كبير اسمه اليسع الجاثليق جاء إلى المنطقة، وذكرت ذلك سجلات مجمعات الكنيسة الشرقية النسطورية، وكان هذا الأسقف مرجعًا عظيمًا لأهل المنطقة، فهناك إمكانية كبرى ومحتملة أن يتسمى بعض علماء الكنيسة النسطورية في المنطقة بهذا الاسم، ولعل رئاب بن البراء الذي أرى أنه قد يكون صاحب هذا القبر في الآجام يكون لقّب باليسع الجاثليق أو أنه كان يدعى عبد يسوع أي المسيح، وهو اسمٌ كان شائعًا في المجتمعات النصرانية، فلعل رئابًا كان يدعو نفسه بعبد يسوع، ثم إنه لما دفن صار الناس يطلقون على قبره مسمى قبر عبد يسوع، ثم بمرور الوقت تحرّف إلى قبر اليسع، فهذا رأي يمكن القبول به.

قبل سنتين حدثت حادثة غريبة حول انتساب إحدى العائلات إلى الرسول ، وقد حدث خلاف حاد بين العائلة نفسها حول هذا الانتساب، أريد من الأستاذ الجنبي أن يوضح لي الحجج التي اعتمدتها العائلة في انتسابها للرسول ، وكيف دحضت هذه الحجج كما في كتاب (أسرة ونسب)؟

عبد الخالق الجنبي: بداية الأمر أنا سمعتُ بهذا الانتساب، وهو انتساب قسمٍ من أسرة (آل النمر) في الدمام إلى الإمام علي – عليه السلام – بعد أن كان نسبهم عاميًّا، ولم أكن مطلعًا على أدلتهم في ذلك لأنهم لم ينشروها، وإنما اكتفوا بإعلان الانتساب، وهو في حد ذاته لا يكفي بالنسبة للبحث العلمي، ثم زارني بعد مدة بعض أفراد من العائلة دعاهم ورعهم إلى رفض النتيجة التي ادعاها بنو عمهم، وأحضروا لي معهم بحثًا لأحد أفراد القسم المدّعي، وهو أحمد محمد النمر، وقد أخبروني أنّ هذا البحث يوجد فيه كل الأدلة التي اعتمد عليها القسم المدّعي لإثبات انتسابهم إلى الإمام علي عليه السلام، وطلبوا مني – خطيًّا – باعتباري عضو الجمعيتين التاريخيتين الخليجية والسعودية فحص هذا البحث وإعطائهم رأيي فيه، وبالفعل قمتُ بالاطلاع عليه، واتضح لي – حسب ما وصل إليه علمي – أنّ ما اعتمد عليه كاتب هذا البحث في إثبات انتسابهم إلى الإمام علي لا يوجد فيه أي دليل علمي صحيح، فهو قد اعتمد على ورقة سمّاها بـ(الوثيقة) مع أنها ورقة حديثة كتبت بقلم حديث لا يتوفر فيها أي صفة من صفات الوثائق، ولا يوجد عليها أي توقيع كما إنها غير مؤرخة، ثم إنّ ما يوجد فيها يتحدث عن جماعة دعوا في هذه الورقة باسم (الصوغ)، وذكر أنهم من سكان أشيقر، وقد حاول كاتب البحث أن يثبت في بحثه هذا بأنّ هؤلاء الصوغ المذكورون هم أسرته آل مبارك الذين ينتمي إليهم عائلته آل النمر من دون دليل صحيح؛ بل الدليل في هذا ضده لأنّ وثائق هذه الأسرة المعروفة حتى الآن تثبت أنها أسرة عامية النسب إلى ما قبل مائة وخمسين عامًا وأكثر، وهو المشهور عنها بين سكان المنطقة وفي وثائق الأسرة أيضًا لأننا عندما نرجع إلى وثائق البيع والشراء الخاصة بعائلات آل مبارك كآل النمر وغيرهم لا نجد كلمة سيد قبل اسم أي شخص منهم يرد اسمه في هذه الوثائق، وقد اطلعت على الكثير من هذه الوثائق بنفسي فلم أجد في وثيقة واحدة كلمة سيد كسابقة لاسم أي شخص من هذه الأسرة في حين إنّ بعض السادة الذين صادف وجودهم في هذه الوثائق ذاتها كتب لفظة سيد قبل أسمائهم، ومن المعروف في وثائق القطيف والأحساء كتابة كلمة سيد قبل اسم أي شخص ينتمي إلى نسبه إلى آل البيت عليهم السلام.

بدورك باحثًا تاريخيًّا أريد أن تحكي لي قصة سرقة الحجر الأسود من الكعبة؟

عبد الخالق الجنبي: هذه الحادثة المؤسفة حدثت عام 317هـ، حيث كان حكام القطيف والأحساء وجزيرة أوال هم القرامطة، والحاكم حينها هو ابن مؤسس الدولة القرمطية، وهو أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي، والمذهب الذي كان يعتنقه هذا الحاكم هو المذهب الإسماعيلي. وهو مخالف لمذهب سكان إقليم البحرين بحواضره الثلاث (الأحساء والقطيف وأوال) الذين كانوا شيعة إمامية، وقد وقعت حروب كثيرة بينهم وبين مؤسس الدولة القرمطية أبي سعيد الجنابي سالت فيها الدماء كثيرًا، ثم تمكن من السيطرة عليهم بعد قتل كثير وبعد أن حرق من مدنهم الكثير كالزارة وهجر وجواثا.

وكان مرجعهم الأكبر الذي يرجعون إليه في أصفهان حينها، فوفد في العام 316 للهجرة رجلٌ من أصفهان يُدعى زكريّ كان يعمل لدى ذلك المرجع الذي صادف أن توفي حينها، فجاء هذا إلى البحرين إلى أبي طاهر وأهله وأصحابه مُدعيًا أن مرجعهم قد أوصى له بالمرجعية بعده، وأمرهم بطاعته وأظهر لهم بعض العلامات التي كانت لمرجعهم المتوفى، فصدَّقوه، وسلموا أمرهم إليه، فأظهر فيهم المذاهب الشنيعة، والسير القبيحة التي لم تعهد، ولا عرفت فيهم من قبل كما يذكر ذلك المسعودي في كتابه التنبيه والإشراف، وكان من جملة هذه الأمور الشنيعة التي عملوها بأمره هو جلب الحجر الأسود من الكعبة إلى المنطقة، ففعلوا ذلك، وأحضروه إلى المنطقة، ووضعوه عند عينٍ عظيمة من عيون القطيف صارت تُعرف لاحقًا وحتى وقتنا هذا بعين الكعبة، وهي تقع إلى الجنوب الغربي من بلدة الجش القطيفية، وبني في موضعه بناءً، ويقول شارح الديوان المقرَّبي، أنهم أمروا الناس أن يحجوا إلى هذا البناء، وأنا أستبعد ذلك، وأرى أنّ ما فعلوه ما هو إلا ضربة سياسية موجهة إلى الدولة العباسية لإثبات ضعفها أمام الرأي العام الإسلامي، وأنها لا تستطيع حماية أقدس مقدسات الإسلام، وأيًّا كان الأمر، فقد بقي الحجر الأسود عند عين الكعبة ما يقرب من عشرين سنة، ثم أعيد بعد ذلك إلى مكة.

المسلسل الدرامي للمعاناة حول ديوانك ابن المقرب، أرغب في معرفة هذه المعاناة عن كثب؟

عبد الخالق الجنبي: نعم، كانت هناك معاناة كثيرة حول ديوان ابن المقرب، فالحصول على المخطوطات المختلفة من مكتبات مختلفة في العالم هو عناء كبير، ومسألة التحقيق وهي أعظم من الأولى، فهناك 21 مخطوطة يجب أن يتم قراءتها كاملة وإضافة كل زيادة في أيٍّ من هذه المخطوطات إلى الأصل، فالمعاناة الحقيقية تكمن هنا، ولتوضيح هذا الأمر، فإنني أشير إلى ما ورد في جريدة الجزيرة السعودية عندما قالت عن عملنا في تحقيق الديوان إنه: "عمل أشبه ما يكون بعمل مؤسسات"، وهو توصيف يوضح مدى معاناتنا ونحن أفراد ثلاثة فقط، ومع هذا قدمنا عملاً تحقيقيًا يوصف بأنه عمل مؤسساتي.

نعم كان هذا العمل معاناة عظيمة، وهذه المعاناة عشناها نحن الثلاثة، ولم تنتهِ عند هذا الحد، فقد صادفنا صعوبات جمّة عند طبع الديوان حيث إنّ الدار التي اتفقنا معها أولاً لطبعه، وهي دار المصطفى تم إغلاقها لأسباب لا نعرفها، وظل الديوان حبيسًا في أرشيفها لمدة من الزمن حتى منّ الله علينا برجل شهم هو الشيخ محمد عمير – حفظه الله – والذي كان قد أسس للتو المركز الثقافي للنشر والتوزيع في بيروت، وكان قد رأى الديوان معطلاً في دار المصطفى، فاتصل بنا طالبًا أن يطبعه كباكورة إنتاج للمركز الذي أسسه، فقبلنا شاكرين، وأنا أقرُّ له بهذا الجميل حيث تم بتوفيق من الله  وعناية فضيلة الشيخ طبع الديوان الذي نفذ في سنة واحدة من صدوره، وحاليًا، أنا أقوم بتحقيق الديوان على ثمان وعشرين مخطوطة بمفردي، وسيخرج الكتاب بإذن الله قريبًا في سبعة مجلدات ضخمة.

للأهمية التي يلعبها التاريخ في صقل شخصية الإنسان، فهو يتعلم من أخطاء السابقين كي لا يقع في ذلك، ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وصيته لابنه الحسن التي وردت في نهج البلاغة، حول أهمية دراسة التاريخ، فقال في ذلك: (أيْ بُنَّي، إنِّي وَإنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهى إلَيَّ مِنْ أُمُوِرِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِه، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِه". تعليقك حول هذا الكلام؟

عبد الخالق الجنبي: أشكرك كثيرًا على هذا الكلام الذي ذكرتني به، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب هو سيد البلغاء والحكماء، وأنا شخصيًّا قرأت نهج البلاغة أكثر من مرة، وكنت أصرخ من شدة إعجابي من بلاغة هذا الرجل العظيم، حتى إن والدتي كانت تدخل علي فزعة تتساءل عما يحصل؟!

الإمام علي بالنسبة لي شيء لا يمكن أن أصفه، هو الرجل العظيم الذي ملأني جمالًا، وهذه الكلمات الرائعة التي ذكرتها لا تصدر إلا من حكيم، وإنني أستغرب وأقول بكل ثقة: لو كان علي بن أبي طالب في غير هذه الأمة لربما عبدوه، أو نصبوا له تمثالًا من الذهب، أو ذكرى سنوية يكتب فيها أجمل القصائد والأشعار فيه، وهل هناك أجمل من علي ! هذا الرجل هُضم ومهضوميته مما زادتني حبًّا فيه، وظلم أيضًا ومظلوميته مما زادتني حبًّا فيه، والإمام علي يصلح مثالًا لكل شيءٍ حسن ولا يصلح مثالًا لكل شيء سيء، لذلك أنا معجب بهذا الرجل ومغرم به وأعشقه كثيرًا.

وهذا الكلام الذي ذكرته للإمام عليه السلام يتناول أهمية دراسة التاريخ والتمعّن فيه، فأنت تقرأ ما تركه لك الأولون لتفيد من ذلك في حياتك، لذلك أقول: كلما قرأ الإنسان التاريخ ازداد علمًا ومعرفة وملكة تساعده في تشخيص الأمور.

قراءة التاريخ ذات فائدة كبيرة كما أوضحت، وللأسف الشديد هناك حقيقة مخجلة نكتشفها عندما ندرس التاريخ وهي أن الأبناء يقعون في نفس أخطاء الآباء والأجداد، وفي هذا العنوان قال الكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي: (أهم درس يمكن أن نستفيده من التاريخ، هو أن البشر لا يستفيدون كثيرًا من دروس التاريخ)، وهناك مقولة يهودية مشهورة تُنسب إلى وزير الدفاع السابق موشي ديان: (إن العرب لا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يطبقون)، فهل بإمكانك تفسير سبب ذلك؟

عبد الخالق الجنبي: للأسف الشديد هذه هي الحقيقة، والكلمة التي ذكرتها لوزير الدفاع الإسرائيلي صحيحة وأعتقد بها، ويوجد سبب قوي أحتفظ به لنفسي، ولكنني أريد أن أوضح ما ذكرته عن هكسلي، فهو لا يريد أن يقول إنّ التاريخ ليس بذي فائدة للبشرية كما قد يفهم بعض القراء عند قراءة كلامه، وإنما هو أراد أنّ الناس مع أنهم يدرسون التاريخ ويرون مواضع الاعتبار فيه إلا أنهم بوازع من أهوائهم ونزواتهم ورغباتهم يتعامون عن ذلك، وهذا هو مراده.

ربما يكون عليَّ أن أسألك، حول الكتابة في التاريخ؟، ومن الذي أعجبك من المؤرخين المحليين؟

عبد الخالق الجنبي: الكتابة في التاريخ مثل الكتابة في الدين أو الفقه، لا يحق لأحد أن يقحم نفسه فيها إلا إذا امتلك الأدوات العلمية التي تساعده على الكتابة في هذا المجال، والشيء المزعج أن كل شخص يكتب في التاريخ؛ لأن النكير هنا ليس شديدًا، ولو فتشت في الانترنت لرأيت سخافات كثيرة، وقد وجدت بنفسي الكثير من ذلك، فهناك العديد من الكُتّاب لو اختبرتهم ستتفاجأ أنهم لا يملكون من الأدوات العلمية التاريخية ما يؤهلهم للكتابة، ومما يؤسف له أن التاريخ كالمال السائب، كل من هبّ ودبّ أخذ منه.

وأما المؤرخ الذي أعجبني، فهو الأستاذ محمد سعيد المسلم، صاحب كتاب الذهب الأسود الذي كتب تاريخ المنطقة من دون أن يوجد أحدٌ قبله مهّد له الطريق في ذلك، وكم نحن بحاجة ماسة إلى كتّاب تاريخيين مثل هذا الرجل.

كلمة أخيرة للأستاذ الجنبي؟

عبد الخالق الجنبي: أشكرك شخصيًّا على اختيارك شخصي المتواضع، وعلى إتاحة هذه الفرصة لي، كما أشكر مجلة الخط أيضًا، وأتمنى لكم التوفيق.

ويجب عليّ أن أوضح أمرًا هامًا وخطيرًا هو أنه لا يوجد جريمة أعظم من تزوير التاريخ، فبتزوير التاريخ أصبح أهل الحق هم أهل الباطل وأهل الباطل هم أهل الحق، وهذه من أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق البشرية، والتي ساهمت في انحدار الإنسانية، وعلى هذا الأساس، فيجب على الإنسان إذا كتب التاريخ أن يتصف بالأمانة، والموضوعية، والابتعاد عن العواطف وتوافه الأمور، كي يعود إلى التاريخ بريقه، فأمة لا تاريخ لها مستقبل لها.