الأديب الخطيب محمد آل ناصر

الأستاذ حسن الخاطر

رغم أن العالم يشترك فيه كل البشر، غير أن لكل إنسان عالمه الخاص به، هكذا شعرنا عندما ذهبنا لشاعر الوادي لإجراء هذا اللقاء، كانت لحظات جميلة من الصعب توصيفها أقل ما يمكن أن نقول فيها: إنه أخذنا في عالم من قوة جماله لم نشعر بمرور الوقت، وبالتأكيد إذا وصل الإنسان لهذه الحالة فهو يعيش في سعادة كبيرة، فساعات السعادة يشعر الإنسان أن الزمن يتقلص فيها والعكس صحيح.

سوف نترككم أيها القرّاء الأعزاء أمام هذا الحوار الذي من خلاله تستطيعون أن تشعروا بجمال اللحظات التي عشناها في محيط عالم شاعر الوادي الخاص.

قبل أن نبدأ بالحوار يا شاعر الوادي، أظن أن الكثير سيتساءل: من الذي أطلق عليك هذا اللقب؟

محمد آل ناصر: هذا اللقب أطلقه الأب الروحي أستاذنا العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي (رحمه الله)، وهو من أجمل الألقاب التي أعتز بها في حياتي، وما زلت أحتفظ بقصاصة ورقية بخط الشيخ وسوف أطلعكم عليها.

حدثنا عن سيرتك الذاتية بإيجاز، لما لها من أهمية خصوصًا أنها لم ينشر منها إلا اليسير؟

محمد آل ناصر: بالنسبة للمولد لم أتوصل إلى سنة مولدي على وجه الدقة؛ لعدم وجود شهادات ميلاد ولا اهتمام من قبل الأسر بهذه النقطة في تلك الفترة، لكن على الأغلب ستكون سنة ميلادي في بداية الستينات الهجرية من القرن المنصرم، كحل وسط لاختلاف المؤرخين حول ذلك، ومسقط رأسي في قرية القديح بطبيعة الحال.

لكل فرد بيئة أسرية مساهمة في صقل شخصيته وأفكاره، فما كان دور والديك في نشأتك؟

محمد آل ناصر: لقد ولدت من أبوين صالحين، فالأمّ من آل عمران وكانت لا تقرأ ولا تكتب، لكنها تتمتع بوعي وخُلق ودين، أما الأب فهو حسن بن مكي آل ناصر وهو خطيب وله يدٌ في كثير من العلوم كالفلك والرياضيات، كما يوجد لديه بعض المؤلفات كـ(الأزهار الناضرة) وهو في سيرة أهل البيت عليهم السلام، وعليه تقريظ مجموعة من العلماء وهم: (السيد محمد باقر الصدر، السيد محمد جمال الهاشمي، آغا بزرك الطهراني)، وسوف أطلعكم على هذا التقاريظ.

كما للأسرة دور في حياتك، فما هو دور البيئة الاجتماعية التي تلقيت فيها تعليمك؟

محمد آل ناصر: لقد عشت في القديح وهي بيئة عُرفت بالكرم، والشجاعة، والوفاء، وقد أخذت القراءة (الخطابة) عن أبي الذي كان خطيبًا آنذاك، وأرسلني أبي إلى التعليم الحكومي وقد وضعت في الصف الرابع مباشرة دون المرور بالفصول السابقة بناءً على كلام المعلمين الذي رأوا أنني أستحق الفصل الرابع. كان هذا مؤشرًا جيدًا لمواصلة دراستي، وبالفعل فقد أنهيت دراستي الثانوية وتقدمت للجامعة، لكن كانت عندي رغبة شديدة في الدراسة الحوزوية فذهبت للنجف تاركًا الدراسة الأكاديمية وراء ظهري.

فقرأت النحو أكثره لدى الخطيب اللوذعي الملّا علي الطويل في القطيف، ثم ذهبت للنجف وحضرت عند بعض العلماء هناك كـ(السيد حسن الهاشمي، السيد هاشم الهاشمي، الحجة الدكتور عبد الهادي الفضلي، العلامة الشيخ منصور البيات)، وقد بارك لسفري العالم الجليل العلامة الشيخ فرج العمران رحمه الله، حيث كان مهتمًا بذلك، وهذه الخطوة كانت بعد وفاة الحجة الشيخ حسين القديحي رحمه الله، وذلك في سنة 1386هـ.

وبعد سنوات الدراسة التي قضيتها في النجف عدت إلى القطيف وبسبب موت والدي لم أستطع الرجوع إلى النجف لظروف الحياة الصعبة، فالتحقت بوظيفة في العمل الحكومي طيلة 30 عامًا، وبالرغم من ذلك لم أمتنع عن مواصلة دراستي بل حضرت عند والدي الروحي العلامة الشيخ عبد الحميد الخطي رحمه الله، في المنطق والأصول والفقه كما حضرت عند كلٍّ من العلامة الشيخ عبد الله الخنيزي والعلامة الشيخ منصور البيات رحمه الله، في الفقه، فلهم الشكر الجزيل على هذا الاهتمام.

حقًا يا شاعر الوادي من يقرأ هذه السيرة الذاتية الموجزة، يعلم أنكم قد أتعبتم أنفسكم في التحصيل العلمي، أما الآن فحدثنا عن إنتاجكم الأدبي والكتابي والخطابي ودعنا نبدأ بها، فممن استقيتها وهل تأثرت بأحد؟

محمد آل ناصر: الفضل يعود لأبي حيث دربني عليها عدة سنوات، كذلك لا أنكر فضل الخطيبين (السيد جعفر الخضراوي، الشيخ محمد حسن المرهون)، فقد تدربت عليهما في ممارسة الخطابة لأكثر من ست سنوات، ولم أتأثر في الخطابة بأحد لأنني لا أحب التقليد.

يا شاعر الوادي، وماذا حول إنتاجكم الأدبي والكتابي؟

محمد آل ناصر: مارست الكتابة منذ صغري، وأول كتاب ألفته هو كتاب (الله الخالق القدير) وكنت في بداية عقدي الثالث، وقد طبع هذا الكتاب بالنجف الأشرف عام 1382هـ. وأعتنيت كثيرًا بالتاريخ والتراجم وقد كتبت تاريخ بلدي (القديح)، حيث رأيتها بلدًا لم يكتب عنها فقضيت أربعين عامًا في البحث عن تاريخها جغرافيًّا، وفكريًّا، وأنجزت حتى الآن كتبًا هي: (تاريخ القديح، أعلام القديح، الأمثال العامية في القديح، الأدب الشعبي في القديح، عشائر القديح)، ويوجد لدي ستة دواوين من الشعر منها: (أفواف الربيع، قطوف، كلمات حزينة، صداح وجراح، نفحات الولاء)، وأرجوزة في تاريخ القديح سميتها (قصة القديح شعرًا)، ورباعيات في تاريخ (مضر).

إن جميع مؤلفاتي مخطوطة ما عدا كتاب (الله الخالق القدير)، وأتمنى أن تخرج هذه المؤلفات والدواوين إلى متناول إخواني القرّاء قريبًا إن شاء الله.

الكثير من الناس يا شاعر الوادي يتكلمون حول حبك للتراث وحول متحفك الجميل؛ هل بإمكانك أن تحدثنا عن بداية هذا العشق الجنوني-إذا صحّ استخدام التعبير- هل سار بك في درب هذا العشق أحد؟

محمد آل ناصر: اشتقت إلى هواية التراث في بداية العقد الثالث من عمري، بدءًا بجمع الطوابع والنقود والأحجار الكريمة، ثم ازداد نشاطي وحبي لجمع التراث بكل أنواعه وقد جمعت من الأسواق والمهتمين ما يشكل متحفًا مميزًا، وهذه الهواية كانت اندفاعًا ذاتيًا مني.

كما نعلم أن أهل التراث يبذلون مبالغ ضخمة حول مقتنياتهم، فما هي أغلى القطع التي يضمها متحفك؟

محمد آل ناصر: كل قطع متحفي غالية! لكن بعضها يمتاز على بعض، فعلى سبيل المثال حول المصاحف: (مصحف بخط ابن البواب تاريخه 391هـ، مصحف بخط حافظ عثمان تاريخه 1097هـ).

الساعات كمثال على ذلك: (ساعة لا تملأ بالبطارية ولا بالكهرباء ولا بمفتاح كروية الشكل تضعها على أي سطح منحدر فتعمل بدقة فائقة، ساعة كروية الشكل بها رمانتان ذهبية وفضية يحددان توقيت الساعة).

بالنسبة للأواني الزجاجية منها: ( مزهريتان زجاجيتان من العصر الفاطمي)، والأواني النحاسية منها: (صحن من العهد السلجوقي، طاسة كبيرة من العهد الصفوي)، كذلك الأواني الطينية: (أوعية من العهد الروماني)، أما النقود فأندرها وأغلاها الدراهم الرضوية التي ضربت باسم علي بن موسى الرضا عليه السلام[ولي عهد المأمون]. ويوجد عندي أحجار نادرة جدًّا أندرها فص رُسمت عليه الكعبة الشريفة بقلم القدرة الإلهية، وفي مجال الطوابع فيوجد عندي طوابع الدولة القاجارية والدولة العثمانية.

ويوجد في المتحف الكثير من النفائس كستارة الكعبة بأنواعها، وأواني زجاجية مزججة بالذهب، ومحابر من العهد الفاطمي، وأقلام وريش كتابة صنعت من الذهب، وساعات جيب وجدارية ويدوية بعضها عليها صور الملوك، إضافة إلى أسورة نسائية وقلائد ذهبية وفضية ووثائق تاريخية ومخطوطات.

يا شاعر الوادي أظن أن الكثير بعد أن يقرؤوا هذا اللقاء سيشتاقون لرؤية متحفكم فما موقفكم من ذلك؟

محمد آل ناصر: متحفي مفتوح للجميع دون استثناء، من يريد الزيارة يتصل عليَّ، وسوف يلقى ما يسر خاطره إن شاء الله.

مقتنيات المتحف الثمينة تدلّ على سعرها الباهظ، فهل يا شاعر الوادي تلقيت مساعدة مادية من أي جهة في إنشاء هذا المتحف؟

محمد آل ناصر: كل ذلك جمعته من مالي دون دعم من أحد.

لماذا لا نجد لك حضورًا في وسائل الإعلام المختلفة بالرغم من أنك تملك الكثير لتقدمه للمجتمع؟

محمد آل ناصر: أنا من الناس الذين لا يحبون الشهرة والظهور، وما حصل لي من لقاء فهو قليل جدًّا، وقبل حواركم هذا كان لي قبل بضعة أسابيع لقاء في الإذاعة السعودية.

الثروة التاريخية والثقافية التي يضمها متحفك ما هو حلمك لمستقبلها؟

محمد آل ناصر: أتمنى حجز مساحة ولو مصغرة في بيتي لترتيب هذه القطع النفيسة والآثار الثمينة ليكون للزائرين فيه نصيب.

المعذرة يا شاعر الوادي! إننا حقًّا مدهشان من كلامك حول المتحف، ولنا الفضول في رؤية ما ذكرته، ولا أظن أن هناك فرصة ذهبية ستتاح لنا أفضل من هذه الفرصة، فهل تمانع من رؤيتنا متحفك والتقاط بعض الصور؟

محمد آل ناصر: بالتأكيد لا أمانع ذلك، وفي الواقع إنني سعيد جدًّا بهذا اللقاء، والمتحف بين أيديكم، شاكرًا لكم على هذا اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.