الكاتب السعودي محمد الحميدي

جمال الناصر

الأستاذ الكاتب محمد الحميدي عرفته في أيام دراستي الجامعية في مدينة الأحساء ، كنت عندما أزوره لا أراه إلا حاضناً كتابه يقرأ بشغف العاشق ، أو ماسكاً يراعه يمارس الكتابة ، كان الجلوس في محضره شهي لحد الامتلاء حيث لا يمتلئ نهمك مما ينثره عليك من كلمات لها طعم اللوز ، ورائحة البنفسج ، كم عانقت السعد حين أبصرت عيناي هذه العبارة " صدر حديثاً للكاتب السعودي الأستاذ محمد الحميدي " ، لم أقوى احتمال هذا الشوق في عمل " دردشة معه " ، أقطف من بستانه أروع الأزهار الثقافية الربيعة الحضور ، فكان هذا الحوار .

 س : بطاقتكم الشخصية ، أستاذ ؟ .

 الاسم: محمد عبد الكريم حسين الحميدي .
العمر: 36 ربيعاً .
المهنة: معلم في مدرسة دار السلام الثانوية .
الحالة الاجتماعية: متزوج ولي ولد وبنت .
الهواية: القراءة والكتابة .

س : ممكن تضعنا في بيئة الإصدار الأول ( السياق والأنساق ) ، والإصدار الثاني ( العروج ) ، وهل هناك إصدار قريب ؟ .

   ككل النشء في قريتي القطيفية الصغيرة "القديح"، وضعت قدمي في الحياة، وليس في فمي ملعقة ذهب، فالحالة الاقتصادية للجميع متشابهة، بل نحن نتشابه في كل شيء؛ أفكارنا تصرفاتنا طيبتنا أخلاقنا...
   في جو مشحون بالأسرية أتيت إلى الدنيا، فتحت عيني على الحياة، تلقفتني الأيدي وقبلتني الشفاه، المولود ينال نصيبه من الرعاية والاهتمام، ترعرعت وتمرغت في حضن والدتي الغالية، وفي أحضان الجارات، اعتبرتهم كأمي، أمي أيضاً صارت تذكرني فيما بعد بالمرور عليهن وإلقاء التحية والسلام، حياة في غاية البساطة، التربية مشتركة، أبناء "الفريق" إخواني وأخواتي، لم أتحرج من دخول المنازل، اللعب فيها، شعور عارم بالانتماء إلى الأرض والمكان .
   نشأتي كنشأة البقية من أبناء البلد الطاهر، تكاتف في التربية واهتمام فائق بالانسجام، وجدنا أنفسنا كأطفالٍ أبناء أم واحدة، ليس أبناء عوائل متفرقة، الحب والود يجتاح جوارحنا، يلهمنا المسير والتقدم في الحياة .
غادرنا المنازل، اتجهنا إلى الدراسة في مقاعد التعليم العام، بدأ حب القراءة يتسرب في نفسي، ينتشلني من الفراغ والتشظي، أدمنت على القراءة، أحببت قصص والدتي الغالية؛ التي كانت ترويها قبل النوم، من التراث الشعبي، استهوتني رواياتها، أصبحت أطلبها كل ليلة لتروي شيئاً، كنا نتجمع حولها، تتحفنا بالقصة تلو القصة، ثم نغادر إلى الفراش "البسيط"، استعداداً لليوم التالي.
   المرحلة المتوسطة ازداد إدراكي للحياة وحبي للقراءة أكثر، أتذكر أن أول مصروف كامل حصلت عليه من والدي المرحوم، كان مائة ريال، أنفقتها بسعادة في "مكتبة الأمل"، اشتريت الموسوعتين: العلمية والطبيعية.
   ظللت إلى نهاية الشهر بلا مصروف، لكن السعادة بحصولي عليهما أنساني الألم وقلة المال أو حتى عدم وجوده، لحظاتٌ تشعرني بالانتشاء حينما أتذكر بداياتي، فتكويني الفكري بدأ منذ المرحلة الأولى، كما أن وجود مكتبة منزلية قريبة من المتناول، دفعني إلى التوجه إليها كلما أردت المزيد من الاطلاع والنمو العقلي .
بدايات جميلة بلا شك، اهتمام العائلة والجيران، الإحساس بالانتماء إلى عائلة كبيرة واحدة، شعور سيظل يلهب مشاعري إلى نهاية العمر.
  تجاوزت الثانوية إلى الجامعة، حيث أكملت دراستي في الأحساء، حصلت على شهادة التربية من جامعتها في تخصص اللغة العربية، وكم كنت محبا للغة والأدب، اندمجت فيهما، قرأت ما وجدت أمامي، عادة لازمتني منذ الصغر، توغلت في القراءة، استنزفت طاقتي في الاطلاع، تشبعت بها، بدأت ملامحي الفكرية والثقافية تبدو ظاهرة.
   قبل انتهائي من الدراسة الجامعية، اتجهت إلى الكتابة، تفرعت في داخلي إلى ثلاثة اتجاهات رئيسة، جانب إبداعي؛ يتمثل في النصوص الشعرية، أعبر بها عما في داخلي، جانب قصصي؛ أنسج من خلاله رواياتي، جانب ثالث؛ يتمثل في القدرة النقدية، البراعة في تفكيك النصوص وقراءتها في حقيقتها.
   لعلي أفتخر بانتمائي إلى البلد الطاهر، يشارك ذلك افتخاري بتحقيق أول إنجاز مكتوب؛ حيث تمكنت من إنهاء كتابي الأول وأنا على مقاعد الدراسة، جاء بعنوان "تحولات الشعر"، يبحث في الظاهرة الشعرية، وحالياً أستعد لطباعته ليترافق مع مسيرتي منذ البدايات.
   لظروف التغيرات الكبيرة، وإعادة تقييمه ضمن تراثي النقدي، أجريت عليه عدة تعديلات، وقررت تغيير المسمى إلى "التحولات"؛ لأخرجه من الالتزام التام بالشعر؛ لينفتح على آفاق أخرى من الكتابة، فالأدب ليس شعراً فقط.
   بما أنني أكاد أختم الفقرة التعريفية، والمصادر التي أثرتني وكونت شخصيتي الثقافي، فأحب أن أشير إلى عنصر هام؛ تولى بنائي منذ بداياتي الأولى، ارتباطي بالمنبر والخطبة، فلقد كنت مستمعاً جيدًا للخطباء، أتردد على المجالس، أصغي للخطيب بعناية، أذكر أن أبرز خطيب استهواني، فصرت أتابعه باستمرار، هو الخطيب البارع / السيد منير الخباز، كنت أتابعه في محاضراته القيمة، بينما شكل الخطيب الراحل / الدكتور أحمد الوائلي، من جهة أخرى، زاداً ثقافياً لا ينضب، فمحاضراته الموسوعية ألهمتني وأسست لتكويني الثقافي.
   ومع انفتاح الفضاء على العالم، وسهولة الوصول إلى الميديا عبر الشبكة العنكبوتية، أصبحت أستمتع أكثر بالاستماع إلى الخطباء، والمحاضرين.
   بعد الجامعة بقرابة العامين، ومع استمراري في القراءة والاطلاع، أنجزت عملي الروائي الأول؛ جاء بعنوان "صمت"، أتحدث فيه عن طفولة منسية، مهملة، غائبة، أحاكي فيه طفولة الكثير من أبناء بلدي، كما تحدثت فيه عن الصمت الاختياري؛ الذي يختاره الإنسان، دون إجبار من أحد.
   سوف تطبع في الأيام القادمة وستكون على أرفف المكتبات، في ظني خلال الأشهر الأربعة الموالية، مترافقة مع كتاب التحولات.
   خلال السنوات العشر التالية، بسبب الضغوط الحياتية، وبدء مرحلة الزواج، والانشغال بالعائلة، ابتعدت تدريجياً عن الكتابة والتأليف، وإن كان شغفي بالقراءة مازال متقداً، أعتبر هذه المرحلة من أفقر فترات حياتي إنتاجياً، حيث أنني لم أكتب سوى مقالات، لازلت أحتفظ بها في أوراقي، وسيكون لها وقفة في قادم الأيام.
   قبل سردي لبقية التفاصيل، أذكر أيضاً تأليفي لكتاب بعنوان "السياق والأنساق"؛ يتقاطع مع رسالة الماجستير التي سوف أقدمها في جامعة المدينة العالمية بماليزيا "ميديو" فيما بعد، والتي أعتبرها الجزء الثاني من كتابي الأهم "السياق والأنساق ما السياق؟ ما النسق؟"، وسوف تحمل عنوان "صراع الأنساق".
   انضممت إلى جامعة المدينة العالمية في عام 2011م، وبدأت في إكمال دراستي عبر الإنترنت، وأنجزتها بعد عامين، مع بدايات عام 2013م، وهي السنة نفسها التي شهدت ميلاد الكتاب الأول "السياق والأنساق"؛ حيث كانت رسالة الماجستير.
   التعقيدات الطباعية لم أعانِ من صعوبتها مثلما حدث للكثيرين، فلقد استقبلتني دار النفائس البيروتية وتكفلت بطباعة الرسالة وتوزيعها، مع حفظ حقوقي المادية والمعنوية، استقبلوني بحفاوة، ورحبوا بالنشر.
   هذا العام، التقيت مع السيد / عباس الشبركة، تعرفت على مكتبة "أطياف"؛ التي تعنى بنشر التراث القطيفي وتوزيعه، فقررت التعامل معهم في الإصدارات التالية، وهو ما حدث، فلقد صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ببيروت، بالمشاركة مع أطياف؛ كتابي الثاني "العروج – نص شعري"، وأيضا صدر كتاب "خارج الزمن (دراسة في الخطاب)" بالمشاركة بينهما، وقريباً سيطبع الكتابان السابقان "التحولات" و"صمت".
   ثمة كتاب أنجزته أخيراً، بعنوان "الخلاص"؛ يتناول بالنقد ديوان الشاعر الأحسائي الجميل / جاسم الصحيح، وعنوانه "ما وراء حنجرة المغني"، سوف يصدر خلال السنة الحالية 2014م.


س : الكاتب عبر مفرداته يحاكي ذاته ، وفكره ، والواقع الذي يسكنه ، ويتعايش معه ، أين الكاتب من هذا التثليث ؟ .

   الكاتب حينما يمارس فعل الكتابة، يشحذ ذهنه بكل ما حوله، ليست الذات الداخلية سوى مرآة عاكسة للوضع الخارجي، تنطبع الأحداث في صفحتها، ثم تخرج إلى النور، ولا فرق هنا بين الكتابة الإبداعية الشعرية أو الروائية، أو بين الكتابة الثقافية، فالجميع يحاكي الواقع بلون ما، يراه بصورة مغايرة عن الآخر، يعالجه كمنظومة من رؤيته الخاصة، ثم ينطلق في مقاربته.
   لا ينفصل الإنسان عن واقعه، يعيشه ويتأثر به، كما يحاول التأثير فيه، الكتابة تفاعل خلاق بين الذات والواقع الكوني برمته، لا ينفصل التفاعل ولا ينقطع.


س : بالنسبة إلى اقتحام مجال الإصدار ، هل انتابك توجس ما من القارئ ، وهل تعتبرها جرأة عقدت العزم من خلالها في خوض هذه التجربة ، خصوصا ما يراه المتابع للمشهد الثقافي في القطيف أنه احتضن الغث والسمين ، فتجد بعض الإصدارات لا ترقى إلى مستوى النشر ؟ .


   المشهد الثقافي القطيفي يتقاطع مع الثقافي السعودي، ربما ليس الأفضل من الناحية الإعلامية، لكنه يمتلك خامات جيدة، نستطيع تلمس أثره في المشاركات الفاعلة على مستوى النادي الأدبي للمنطقة الشرقية، أو ربما نقاربه من خلال فوز المشاركين في المسابقات الإبداعية في الأندية الأخرى وحصولهم على مراكز متقدمة، كما هو الشأن مع نادي الرياض الأدبي في نسخة المسابقة الشعرية في العام الفائت.
   أضيف أيضاً، إن التواصل بيننا وبين المناطق الأخرى موجود، ربما ليس ظاهراً بشكل جلي، فالإعلام لا يلتفت للجانب الثقافي كثيراً، تهمه الأخبار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؛ التي تشكل عصب الحياة في المدن والأرياف والدولة، أما الثقافة فشأنها كغيرها المهمل، وربما وصل الحال بها إلى عدم الذيوع؛ لقلة المهتم والمتابع.
   لكن الأكيد أن للمثقف والشاعر والكاتب القطيفي حضور في مجمل الحياة الثقافية في الوطن، لا نستطيع الإلمام بجميع التفاصيل؛ بسبب قلة المعلومات المتوفرة من ناحية، وبسبب التجاهل الإعلامي من ناحية أخرى.

س : كما هو معروف بأن قرية القديح مزدهرة بالكتاب ، والشعراء .. ، ألا ترى بأن غياب منتدى ثقافي يضم هذه الشريحة يعتبر تقاعساً من مثقفي القرية ، أم لك وجهة نظر أخرى ؟ .


   بالنسبة للقديح، البلدة الطاهرة كما أسميها، تمتلك الكثير من الكتاب والأدباء، بعضهم تجاربها طويلة، يمتلكون نفساً شعريا ممتازاً، لكن ما يحدث؛ غياب الرعاية والاحتضان، فالأديب الجاد يحتاج إلى اهتمام وعناية، حينما يغيبان يتراخى المثقف والأديب، يتوقف عن الإنتاج، يصاب بالتخمة.
   بالفعل، ظاهرة غريبة عدم وجود ملتقى أدبي يضم المواهب العالية في البلدة الطاهرة، يساعد على نمو النشء وإظهارهم إلى الجمهور، الرغبة الشعرية كما أجدها تعيش في الأذهان، تنمو ببطء، تموت حينما تفقد الاهتمام من المحيط، هي نبتة لابد من سقايتها لتزهر.
   قد يحدث في الأيام الآتية ما يدفع إلى إنشاء ملتقى تخصصي بالأدباء والمثقفين، يضم شتاتهم، يعمل على تكوين الجيل الصاعد، إنما ينبغي الجدية في المواصلة، فالأديب يصاب في مقتل حينما تتناهبه المشاغل، تذوي النبتة في داخله، الملتقى يساعد على استمرار العطاء، نفتقده فعلاً، أتمنى رؤيته قريباً.


س : في المجال النقدي فإن للمصطلح دلالاته التي يشير إليها ، ألا ترى بأن اختلاف المصطلح لدى البعض قد أورث تداعيات ربما تفقد المصطلح
جماليته كما يراها البلاغيون ؟ .


   المصطلح النقدي يعاني من التشتت وسوء الفهم لدى البعض؛ كونهم خارج إطار التخصص الأكاديمي، أما من يمارس العملية النقدية، فيقترب من المصطلحات والمفاهيم.
   لكل علم مفاتيح؛ تتمثل في معرفة مصطلحاته ومفاهيمه، بدون الإلمام بالمفاتيح، لا يستطيع القيام بعمله، الرائج بين المثقفين، حصولهم على المصطلح بالطريقة الشفاهية، عبر الأحاديث البينية أو السماع في المحاضرات، يلزم الانتباه هنا، فالسماع لا يقود إلى معرفة المصطلح على حقيقته، بل لابد من العودة إلى الكتاب، القراءة مفتاح الوصول إلى المفاهيم.
   تنمية عادة القراءة استثمار للمستقبل، اكتشاف لآفاق جديدة، المثقف الذي يبتعد عن القراءة، لن يصبح مثقفاً حقيقياً، سوف يكون "شبه مثقفٍ"، الثقافة تحتاج إلى جهد، لن يصل إليه بسهولة.
   نعم، تجاوزاً نطلق عليه مسمى مثقف، درج العرف الشائع على تسميته بذلك، إنما حقيقته ستظل ماثلة، هو شبه مثقف لا أكثر.
   عملية إصدار كتاب، أو نشره في إحدى دور النشر، تحتاج في البدء إلى إلمام بأساسيات الكتابة، الأخطاء شائعة، ليس بين الأفراد العاديين، بل الطبقة المثقفة تنتشر بينها، لذا سيكون من الأفضل عرضه على مختص في المجال نفسه قبل نشره، فالصعوبة ليست في النشر بذاته، إنما في كيفية التلقي من القارئ.
   الإصدار الأول يعتبر عتبة هامة في مد الجسور؛ للتواصل مع القارئ، حينما يأتي هزيلاً، فاقداً للقيمة، ستكون نهايته بكل أسف سلة المهملات، ليس كل كتاب صالح للنشر، البعض سيء يصيبك بالغثيان.
   لا أعني من ناحية الصعوبة وعدم الفهم، بل من ناحية العبارات وتركيبها، وعدم تواصل الأفكار وانقطاعها، يضاف لها "سخافة" الفكرة في بعض الأحيان.
   حالياً، يستطيع الكاتب التواصل مع مكتبة أطياف، السيد / عباس الشبركة، يحتضن الإصدارات الجديدة، كما يقوم بعمل العقود مع دور النشر الخارجية، المسألة ليست صعبة للغاية، لكنها تحتاج إلى جرأة، الإصدار الأول يحتاج إلى جرأة، ربما نجاحه يقود إلى إصدارات أخرى، بينما فشله ورفض الجمهور؛ يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
   ربما في الختام، أستطيع تقديم نصيحة من خلال خبرتي في المجال، لكل كاتب جديد أو قديم على السواء، دافع الكتابة يتمثل في داخلك، تستطيع المواصلة رغم الصعوبات المحيطة، الفشل الأول لا يعني نهاية مسيرتك، بل ينبغي أن يعطيك فرصة للتحدي؛ لتثبت لمن هم حولك، وللآخرين في العالم، أنك تمتلك الموهبة، تعمل على صقلها، تنمو في داخلك باستمرار، ستجد في النهاية أنك وصلت إلى هدفك، دون عناء.
   ختاماً، تحياتي القلبية للأستاذ / جمال الناصر، والفريق الذي يعمل معه.
 
محمد الحميدي
20 / 3 / 1435هـ
21 / 1 / 2014م